هاجر الشناوي: العمل الإنساني وعلم النفس وجهان لخدمة الإنسان والمجتمع
 
الأربعاء، 16 ديسمبر 2015

هاجر الشناوي: العمل الإنساني وعلم النفس وجهان لخدمة الإنسان والمجتمع

رقم المقال: 2762430
15 ماي 2026 10:37
  | 
هاجر الشناوي: العمل الإنساني وعلم النفس وجهان لخدمة الإنسان والمجتمع
هاجر الشناوي: العمل الإنساني وعلم النفس وجهان لخدمة الإنسان والمجتمع

حاورها: أسامة اباحو

في هذا الحوار، نقترب من تجربة هاجر الشناوي، الفاعلة الجمعوية والباحثة في علم النفس الإكلينيكي، التي استطاعت أن تجمع بين العمل الإنساني والمجال الأكاديمي، وأن تجعل من خدمة الإنسان رسالة ومسارًا حياتيًا، واضعةً الشباب والصحة النفسية والعمل الاجتماعي في صلب اهتماماتها وطموحاتها المستقبلية.

■ من هي هاجر الشناوي طفولةً، دراسيًا، جمعويًا ومهنيًا؟

هاجر الشناوي فاعلة جمعوية وباحثة في علم النفس الإكلينيكي. تشكلت ملامح شخصيتي منذ الطفولة من خلال انخراطي المبكر في المخيمات الصيفية والأنشطة التربوية، التي غرست بداخلي مجموعة من القيم الإنسانية النبيلة، كحب الآخر، والاهتمام بالإنسان ونفسيته، والتواصل الاجتماعي، وروح التعاون والعطاء. ومنذ نعومة أظفاري، وجدت نفسي قريبة من العمل الجمعوي والإنساني، فكان هذا المجال جزءًا أساسيًا من تكويني الشخصي والحياتي.
خضت خلال مساري العديد من التكوينات داخل المغرب وخارجه، من بينها تكوينات بدولة الإمارات العربية المتحدة – إمارة دبي، وحصلت على مجموعة من الشواهد التكوينية في مجالات العمل الجمعوي والتنمية البشرية، مما كان له طيب الأثر في رفد وصقل تجربتي الميدانية التي امتدت لما يقارب عشرين سنة من العمل التطوعي والعطاء المستمر.
وقد كرست وقتي طوال هذه السنوات، متطوعة في "جمعية شيماء للأعمال الإنسانية" بمدينتي مريرت، حيث عملت إلى جانب أعضائها في تنفيذ مبادرات اجتماعية كثيرة، من بينها حفر الآبار، وإعادة تهيئة المدارس بالعالم القروي، والاهتمام بالأطفال الأيتام، ودعم النساء المطلقات، والمساهمة في العمليات الجراحية والحملات التضامنية، إن تنفيذ مثل هذه النشاطات يمثل بالنسبة لي شغفا وعقيدة ،وإيمانا راسخا بأن الانخراط في هذه النشاطات الإنسانية أداء لرسالة سامية وعظيمة قبل أن يمثل مجرد نشاط جمعوي.

ومع مرور السنوات، أدركت أن العمل الاجتماعي وحده لا يكفي، وأن خدمة الإنسان تحتاج أيضًا إلى فهم عميق لنفسيته ومعاناته الداخلية، لذلك كان توجهي نحو تخصص علم النفس خطوة طبيعية ومكملة لمساري التطوعي في المجال الإنساني.
حصلت على الإجازة في علم النفس من جامعة المولى إسماعيل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس، وأتابع حاليًا دراستي بسلك الماستر في تخصص علم النفس الإكلينيكي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، كلية ظهر المهراز.
هذا التزاوج بين العمل الجمعوي والتخصص النفسي منحني رؤية شمولية في التعامل مع الأفراد والمجتمع، وجعلني أتعامل مع الإنسان من زاويتين متكاملتين: زاوية الدعم الإنساني والاجتماعي، وزاوية الفهم النفسي والعلاجي، وهو ما أعتبره جوهر رسالتي وطموحي في الحياة.

■ الانخراط في العمل الجمعوي بمريرت تحديدًا؟

كان الدافع الأساسي للانخراط في العمل الجمعوي والتطوعي نابعًا من إحساسي بالمسؤولية تجاه مدينتي مريرت، باعتبارها مدينة صغيرة تفتقر، في عدة جوانب، إلى التثقيف الجمعوي والدعم الكافي للمبادرات الشبابية والمشاريع التنموية. كنت دائمًا ألاحظ أن العديد من الشباب يمتلكون طاقات ومواهب وأفكارًا مميزة، لكن غياب التأطير والفرص يجعل الكثير منهم يعيش حالة من العزوف أو يختار مغادرة المنطقة بحثًا عن فضاءات تحتضن طموحاتهم وتوفر لهم شروط التطور والاستمرار.
هذا الواقع جعلني أؤمن بأن العمل الجمعوي ليس مجرد نشاط تطوعي، بل هو مسؤولية ورسالة تهدف إلى خلق الأمل وتحفيز الشباب على الإيمان بقدراتهم. لذلك حاولت، من خلال انخراطي في المجال الجمعوي، أن أساهم، ولو بشكل بسيط، في نشر ثقافة المبادرة والعمل الجماعي، وخلق فضاءات للتوعية والتأطير والدعم النفسي والاجتماعي، لأنني أؤمن أن الشباب، إذا وجدوا من يحتضن طاقتهم ويوجهها بشكل صحيح، فإنهم قادرون على صناعة التغيير داخل مدينتهم ومجتمعهم، رغم كل العوائق المحيطة.

■ هل واجهتِ تحديات في العمل الجمعوي؟

بطبيعة الحال، واجهت عدة تحديات، سواء مرتبطة بنظرة البعض للعمل الجمعوي، أو ضعف الإمكانيات، أو صعوبة تنزيل بعض المبادرات على أرض الواقع. لكنني كنت دائمًا أتعامل مع هذه العراقيل بالصبر والإيمان بالهدف، إضافة إلى العمل الجماعي والتواصل الجيد، لأن النجاح لا يأتي بسهولة، بل يحتاج إلى الاستمرارية والاجتهاد.

■ لماذا اخترتِ تخصص علم النفس؟

اخترت تخصص علم النفس لأنني كنت دائمًا مهتمة بفهم النفس البشرية والسلوك الإنساني، حيث إن الكثير من المشاكل الاجتماعية، في العمق، هي مشاكل نفسية تحتاج إلى فهم واحتواء، لذلك وجدت نفسي في هذا التخصص الذي يجمع بين العلم والإنسانية.

■ هل غيرت دراستك الأكاديمية نظرتك للمجتمع؟

بالتأكيد، دراسة علم النفس غيرت نظرتي للمجتمع بشكل كبير، وجعلتني أكثر تفهمًا لاختلاف الشخصيات والسلوك والظروف التي يعيشها الناس. أصبحت أتعامل مع الأفراد بوعي أكبر، وبقدرة على الاستماع والتحليل والتفهم بدل إصدار الأحكام السريعة، وتقبل الآخر من باب الاختلاف والتكامل.

■ كيف توظفين علم النفس في عملك الجمعوي؟

علم النفس يساعدني كثيرًا في العمل الجمعوي، لأنه يمكنني من فهم حاجيات الفئات المستهدفة والتعامل معها بطريقة إنسانية فعالة، مبنية على الموضوعية وخاضعة لمعايير علمية. فهم النفس البشرية، رغم صعوبتها وتفردها، إلا أن هذا الأمر يسهل التواصل مع المجتمع، ويجعل المبادرات أكثر تأثيرًا ونجاحًا لأنها تنطلق من فهم حقيقي للإنسان.

■ كيف تقيّمين واقع الأخصائيين النفسيين بالمغرب؟

واقع الأخصائي النفسي بالمغرب ما زال يواجه العديد من التحديات، رغم الأهمية المتزايدة التي أصبحت تحتلها الصحة النفسية داخل المجتمع. فمن خلال تجربتي كممثلة للطلبة بكل من كليات فاس ومكناس، من داخل النقابة الوطنية للأخصائيين النفسيين، واحتكاكي المباشر بطلبة علم النفس، لطالما وجدت تخوفات كبيرة مرتبطة بالمستقبل المهني، خاصة في ظل غياب إطار قانوني واضح ومنظم يحمي المهنة ويحدد اختصاصاتها بشكل دقيق، إضافة إلى ضعف فرص الإدماج داخل المؤسسات العمومية والخاصة.

كما أن من أبرز الإشكالات المطروحة أيضًا الخلط الكبير بين دور الأخصائي النفسي ودور الطبيب النفسي، حيث يعتقد البعض أن الأخصائي النفسي مجرد دور تكميلي أو ثانوي، في حين أن لكل منهما تخصصه المستقل وأدواره العلمية والمهنية الخاصة.

فالطبيب النفسي يشتغل على الجانب الطبي والدوائي المرتبط بالاضطرابات النفسية، بينما يركز الأخصائي النفسي على التشخيص النفسي، والعلاج النفسي، والمواكبة، وفهم السلوك والانفعالات من خلال تقنيات وأساليب علمية متخصصة.

لذلك فالأخصائي النفسي ليس بديلًا عن الطبيب النفسي ولا تابعًا له، بل هو فاعل أساسي داخل منظومة الصحة النفسية.

■ أبرز مشاكل الشباب النفسية والاجتماعية اليوم؟

تكشف الملاحظة الميدانية والدراسات الاجتماعية المرتبطة بالشباب عن تنامي مجموعة من الاضطرابات والصعوبات النفسية والاجتماعية لدى هذه الفئة. ويمكن رصد ارتفاع مؤشرات القلق النفسي، والشعور بالإحباط، وضعف تقدير الذات، إضافة إلى مظاهر العزلة النفسية وفقدان الدافعية نحو الاندماج المجتمعي.

وترتبط هذه الظواهر بعدة عوامل متداخلة، من بينها الهشاشة الاقتصادية، وندرة فرص الشغل، وضعف البنيات الثقافية والتأطيرية، فضلًا عن الإحساس بالإقصاء المجالي والاجتماعي الذي يدفع العديد من الشباب إلى الهجرة نحو المدن الكبرى بحثًا عن فرص أفضل لتحقيق الذات والاستقرار.

كما لا يمكن إغفال التأثير المتزايد للتحولات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للشباب، حيث أصبحت هذه الوسائط تساهم في خلق ضغوط نفسية مرتبطة بالمقارنة الاجتماعية، وبناء صورة مثالية للحياة، وهو ما ينعكس سلبًا على التوازن النفسي والهوية الذاتية لدى عدد من الشباب.

■ كيف ترين واقع العمل الجمعوي والشباب بمدينة مريرت اليوم؟

العمل الجمعوي بمريرت يعرف وجود طاقات شبابية مهمة ومبادرات إيجابية، لكنه يحتاج إلى دعم أكبر وإلى فضاءات وفرص حقيقية لاحتضان الشباب وتطوير قدراتهم، حيث إن هناك مجموعة من التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر بشكل مباشر على اندماجهم المهني واستقرارهم النفسي والاجتماعي.

ومن أبرز ما ينقص الشباب اليوم محدودية فرص الشغل وضعف الاستثمار المحلي القادر على خلق مناصب عمل تستجيب لمؤهلاتهم وطموحاتهم، إضافة إلى نقص فضاءات التأطير والتكوين المستمر، سواء في المجالات المهنية أو الثقافية أو المقاولاتية.

لذا فالمطلب الملحّ اليوم هو تحقيق سياسات تنموية أكثر عدالة تقوم على دعم التشغيل وتشجيع المبادرات الشبابية وإحداث مشاريع تنموية حقيقية تساهم في تحقيق الإدماج الاقتصادي والاجتماعي. فالشباب، متى حظي بالاحتواء والتقدير، غدا ركيزة أساسية للتنمية، لا فئة معطلة ترهقها التهميش وانتظار الفرص.

■ كيف توازنين بين الدراسة والعمل الميداني والحياة الشخصية؟

الموازنة بين الدراسة والعمل الميداني والحياة الشخصية ليس سهلًا، لكنه ممكن من خلال تنظيم الوقت وتحديد الأولويات. أحرص دوماً على إعطاء كل منهما حقه، مع الحفاظ على الشغف والطاقة الإيجابية التي تدفعني للاستمرار.

■ ختامًا؛ ما رهانات وطموحات هاجر الشناوي المستقبلية؟

أطمح مستقبلًا إلى مواصلة مساري الأكاديمي والمهني في مجال علم النفس والعمل الإنساني، من خلال تعميق البحث العلمي والممارسة الميدانية، والمساهمة في تطوير مجال الصحة النفسية والعمل الاجتماعي بالمغرب.
كما أسعى إلى توظيف تجربتي الجمعوية والأكاديمية في خدمة الإنسان والمجتمع، عبر إطلاق مبادرات ومشاريع ذات أثر حقيقي ومستدام، خاصة في المناطق التي تعاني من الهشاشة وقلة فرص التأطير والدعم.
وأؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بالإنجازات الشخصية، بل بقدرة الإنسان على ترك أثر إيجابي وبصمة إنسانية داخل وطنه. لذلك أطمح أن أكون نموذجًا للشباب المغربي الطموح، وأن أترك بصمة تاريخية مشرفة في وطني المغرب، من خلال العمل الجاد، والعطاء، والإيمان بأن الإنسان هو أساس كل تنمية حقيقية.
ورسالتي للشباب هي: “آمنوا بأنفسكم، لا تستهينوا بأحلامكم، واجعلوا من التحديات دافعًا للنجاح. فالمجتمع يحتاج إلى شباب واعٍ، طموح، ومؤمن بقدرته على التغيير.”


في ختام هذا الحوار، لا يسعنا إلا أن نشيد بالمجهودات الكبيرة التي تبذلها هاجر الشناوي، سواء في المجال الجمعوي والإنساني أو في مسارها الأكاديمي والمهني بمجال علم النفس، حيث استطاعت أن تقدم صورة مشرفة للشابة المغربية الطموحة والمجتهدة، التي تؤمن بأن النجاح الحقيقي يبدأ بخدمة الإنسان والمجتمع.

كما تمثل هاجر نموذجًا للمرأة المغربية المثابرة، التي اختارت أن تجعل من العلم والعمل التطوعي وسيلتين لصناعة الأثر الإيجابي، وإعطاء معنى أعمق للعطاء والمسؤولية المجتمعية. فرغم التحديات والصعوبات، استطاعت أن تواصل مسارها بثبات وإصرار، واضعة نصب عينيها هدف المساهمة في بناء مجتمع أكثر وعيًا وإنسانية واحتواءً للشباب.

هي تجربة تؤكد أن الشباب المغربي لا تنقصه الكفاءة ولا الطموحات، بل يحتاج فقط إلى فضاءات حقيقية للاحتضان والدعم والثقة، حتى تتحول الطاقات إلى مشاريع، والأحلام إلى إنجازات تخدم الوطن والمجتمع.
هاجر الشناوي: العمل الإنساني وعلم النفس وجهان لخدمة الإنسان والمجتمع
15 ماي 2026 10:37

    مواضيع مرتبطة

  • ْْْ
روابط